احمد احمد بدوي

57

من بلاغة القرآن

وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( النحل 58 ، 59 ) . وكلمة قاصِراتُ في قوله تعالى : وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( الصافات 48 ) . وكلمة مُسْتَسْلِمُونَ . في قوله تعالى : ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ( 25 ) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 ) ( الصافات 25 ، 26 ) . و مُتَشاكِسُونَ في قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ ( الزمر 29 ) . ويطول بي القول ، إذ أنا مضيت في عرض هذه الكلمات التي توضع في مكانها المقسوم من الجملة ، فتجعل المعنى مصورا تكاد تراه بعينك ، وتلمسه بيدك ، ولا أريد أن أمضى في تفسير الكلمات التي استشهدت بها ؛ لأنها من وضوح الدلالة بمكان . ولهذا الميل القرآني إلى ناحية التصوير ، نراه يعبر عن المعنى المعقول بألفاظ تدل على محسوسات ، مما أفرد له البيانيون علما خاصّا به دعوه علم البيان ، وأوثر أن أرجئ الحديث عن ذلك إلى حين ، وحسبي الآن أن أبين ما يوحيه هذا النوع من الألفاظ في النفس ، ذلك أن تصوير الأمر المعنوي في صورة الشيء المحسوس يزيده تمكنا من النفس ، وتأثيرا فيها ، ويكفى أن تقرأ قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ( البقرة 7 ) . وقوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ( الجاثية 23 ) . لترى قدرة كلمة خَتَمَ ، في تصوير امتناع دخول الحق قلوب هؤلاء الناس ، وقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ( البقرة 257 ) . لترى قيمة كلمتي الظلمات والنور ، في إثارة العاطفة وتصوير الحق والباطل . وقوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( البقرة 18 ) . لترى قيمة هذه الصفات التي تكاد تخرجهم عن دائرة البشر ، وقوله سبحانه : يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ( البقرة 27 ) . فكلمات ينقضون ويقطعون ويوصل ، تصور الأمور المعنوية في صور المحس الملموس ، وفي القرآن من أمثال ذلك عدد ضخم ، سوف نعرض له في حينه . وفي القرآن كثير من الألفاظ ، تشع منها قوى توحي إلى النفس بالمعنى وحيا ، فتشعر به شعورا عميقا ، وتحس نحو الفكرة إحساسا قويّا . خذ مثلا قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ( 18 ) ( التكوير 17 ، 18 ) . فتأمل ما توحى به كلمة تَنَفَّسَ من تصوير هذه اليقظة الشاملة للكون بعد هدأة الليل ، فكأنما كانت الطبيعة هاجعة هادئة ، لا تحس فيها حركة ولا حياة ، وكأنما